حيدر حب الله

377

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

كانت هذه - باختصار - نظرية الأنصاري التي تحوّلت فيما بعد إلى مسرح للجدل والنقاش ، فقد رفضها كثيرون وسجلوا عليها ملاحظاتهم ، ونكتفي هنا بملاحظة واحدة ، من باب الإشارة فقط إلى طبيعة تناول الموضوع في الفكر الشيعي ، وهي الملاحظة التي سجّلها الإمام الخميني - وربما أخذها من أستاذه البروجردي - واعتنى بفكرتها الرئيسية في مجمل دراساته ، حيث اعتبر أن الطرق الظنية كخبر الواحد ليست مقولات مؤسّسة من جانب المشرّع ، بحيث لولا تشريعه لم يكن لها من وجود في الحياة الإنسانية ، حتى يقال : إن جعله وتشريعه وتأسيسه لها كان معناه أن السلوك على وفقها فيه مصلحة تجبر ما فات من التشريعات الواقعية ، بل هي مقولات عقلائية بحتة ، أي أن اعتماد الظهورات الدلالية ، وكذا أخبار الثقات شيء موجود عند العقلاء مستحكم في حياتهم ، مجرّب معمول به من قبلهم ، غاية الأمر أن اللّه سبحانه قد أجاز لهم استعمال هذه السبل في دينه ومعرفة أحكامه ، ومعنى هذا الكلام أنّ الطرق الظنية لا يعني اتباعها في الدين مفهوما غير مفهوم تطبيقها في الحياة العقلائية العامة ، وإذا رجعنا إلى حياة العقلاء للاحظنا أنهم يتبعون مثل هذه الطرق لا لأن اتباعها والسلوك على وفقها فيه مصلحة جابرة لما فات في الواقع ، بل لمجرد كونها سبلا منطقية متوفرة للوصول إلى الواقع ، وبين الأمرين بون شاسع ، فنظرية المصلحة السلوكية لم تأخذ بعين الاعتبار إمضائية الشارع لهذه الطرق ، بل وكأنها افترضت تأسيسه لها « 1 » . بل يذهب مثل العلامة الطباطبائي إلى أن أخبار الآحاد ونحوها علوم عند العقلاء ، ولذا لو سألت شخصا كيف اعتمد ومن أين علم بالأمر الفلاني ؟ فإنه يجيبك بأن زيدا من الناس أخبره « 2 » ، لكن هذا الكلام - من وجهة نظري - من شأنه أن ينسف السيرة العقلائية ، وهي أحد أهم أدلة خبر الواحد ، وسيأتي ما يشير إلى ذلك . وهناك ملاحظات أخرى ناقدة أيضا فلتراجع « 3 » .

--> ( 1 ) - الخميني ؛ أنوار الهداية 1 : 194 ؛ وتهذيب الأصول 2 : 372 ؛ وكتاب الطهارة 4 : 267 ؛ وتنقيح الأصول 3 : 90 ؛ والبيع 3 : 313 ؛ نعم الإمام الخميني لا يمنع عن أصل وجود مصلحة غالبة في الأمارات لكنها ليست المصلحة السلوكية ، فراجع : أنوار الهداية 1 : 192 ؛ وانظر : الشاهرودي ، نتائج الأفكار 3 : 269 ؛ والبروجردي ، نهاية التقرير 1 : 315 ؛ وتقريرات في أصول الفقه : 278 . ( 2 ) - محمد حسين الطباطبائي ، حاشية الكفاية : 191 . ( 3 ) - راجع على سبيل المثال ، الميرزا الإيرواني ، الأصول في علم الأصول 2 : 238 ؛ والبروجردي ، نهاية الأصول : 446 .